عندما يبدأ الدواء بفقدان أثره عند مريض الشلل الرعاش (مرض باركنسون)، يظهر سؤال ثقيل: هل حان وقت التفكير في الجراحة؟ مريض الشلل الرعاش اليوم لديه طريقان مختلفان جداً في الفكرة والأسلوب. الأول معروف منذ عقود، وهو تحفيز الدماغ العميق (DBS). والثاني أحدث بكثير، ويعتمد على الموجات فوق الصوتية المركزة بتوجيه من جهاز الرنين المغناطيسي (MRgFUS).
الفرق الأول الذي يلفت النظر أن أحدهما يحتاج إلى فتحة في الجمجمة (نتحدث هنا عن التحفيز الدماغي العميق) وأسلاك وجهاز يبقى في الجسم، بينما الآخر (الموجات فوق الصوتية) لا يحتاج إلى أي شق جراحي. فهل يعني ذلك أنه الأفضل؟ وهل يصلح لكل مريض؟ الجواب أعقد مما يوحي به العنوان، ولهذا سنعرض هنا ما تقوله أحدث الدراسات المنشورة في مجلات علمية حديثة، معظمها مفتوح المصدر، بلغة بسيطة ودون مبالغة.
لماذا نفكر في الجراحة أصلاً؟
الشلل الرعاش من أكثر أمراض الدماغ التنكسية شيوعاً في العالم. يحدث نتيجة لتراجع تدريجي في الخلايا التي تنتج الدوبامين، وهي مادة يحتاجها الدماغ لتنظيم الحركة. ويبقى دواء الليفودوبا هو الدواء الأول. لكن استخدامه لسنوات طويلة قد يخلق للمريض مشكلات جديدة: حيث قد يتذبذب أثره خلال اليوم، ويزول قبل موعد الجرعة التالية، وقد تظهر حركات لا إرادية تُسمى خلل الحركة (الديسكينيزيا). عند هذه المرحلة يبدأ الأطباء بمناقشة الحلول الجراحية مع المريض.
كيف يعمل تحفيز الدماغ العميق؟
يضع الجراح أقطاباً دقيقة في منطقة عميقة من الدماغ تتحكم في الحركة، وأشهرها النواة تحت المهادية (Subthalamic nucleus). ثم تُوصل الأقطاب بجهاز صغير يُزرع في الجسم ويرسل نبضات كهربائية منتظمة. وهنا سوء فهم شائع: الجهاز لا يزيد الدوبامين كما يظن كثيرون. هو يهدّئ النشاط الكهربائي المضطرب في دوائر الحركة ويقرّبه من إيقاعه الطبيعي.
ما أكبر ميزة لهذا الأسلوب؟ أنه قابل للضبط. يستطيع الطبيب تعديل الإعدادات مع تغيّر حالة المريض، ويمكن إيقاف التحفيز عند الحاجة. وهو كذلك الأكثر توثيقاً على المدى البعيد، إذ تتحدث الدراسات عن فوائد مستمرة لأكثر من عشر سنوات. وقد أقرته الهيئة الأمريكية للغذاء والدواء لمرض باركنسون المتقدم منذ عام 2002.
ولكن ما هي مشكلة هذا الاجراء ؟ هو في النهاية عملية جراحية تحمل احتمال النزيف والعدوى، بالإضافة الىمشكلات في الأجهزة نفسها مثل كسر الأسلاك، وقد تظهر عند الأشخاص الأكثر هشاشة تغيّرات في التفكير أو المزاج.
كيف تعمل الموجات فوق الصوتية المركزة؟
تخيّل عدسة مكبّرة تجمع أشعة الشمس في نقطة واحدة فتسخّنها، بينما لا تتأثر المنطقة المحيطة. الفكرة هنا مشابهة. تخرج حزم كثيرة من الموجات فوق الصوتية، وتعبر الجمجمة، وتلتقي عند هدف صغير في عمق الدماغ، فترتفع حرارته ويتعطل ذلك الجزء الصغير من النسيج بشكل دائم. ويتابع الفريق درجة الحرارة لحظة بلحظة عبر الرنين المغناطيسي، وهذا ما يمنح العلاج دقته.
لا شق جراحي هنا، ولا ثقب في الجمجمة، ولا أقطاب، ولا بطارية تحتاج إلى استبدال لاحقاً. والتعافي أسرع بكثير: يوم إلى يومين بحسب مراجعة حديثة قارنت الطريقتين ( وليس أسابيع كما هو الحال مع تحفيز الدماغ الدقيق). ولهذا تحديداً تستحق هذه التقنية التفكير عند من يصعب عليه تحمّل جراحة مفتوحة.
لكن للعملة وجهاً آخر يجب أن يعرفه المريض قبل أن يقرر. الأثر دائم، فما يتعطل لا يعود، ولا توجد إعدادات تُعدَّل لاحقاً (كما هو الحال مع التحفيز الدماغي العميق). كما أن الخبرة بهذه الطريقة أقصر، والدراسات الإكلينيكية طويلة الأمد عنها أقل.
من ناحية الاعتماد الرسمي، أقرت الهيئة الأمريكية هذه التقنية لعلاج الرعاش الأساسي عام 2016، ولعلاج الرعاش في مرض باركنسون عام 2018. ثم اتسع الاعتماد ليشمل مناطق أخرى في الدماغ تخص التيبس والحركات اللاإرادية، وأخيراً السماح بعلاج الجانبين على مرحلتين بينهما ستة أشهر عند استهداف السبيل الشاحب المهادي (PTT)، كما توضح مؤسسة الموجات فوق الصوتية المركزة.
ماذا قالت التجارب الحديثة عن النواة تحت المهادية؟
هنا نصل إلى أكثر الأجزاء إثارة. تُعد النواة تحت المهادية هدفاً مفضلاً في DBS لأنها تؤثر في أكثر من عرض معاً: الرعاش والتيبس وبطء الحركة. لذلك بدأ باحثون يجربون تعطيلها بالموجات فوق الصوتية لدى مرضى تظهر أعراضهم في جانب واحد من الجسم بشكل أوضح بكثير من الجانب الآخر.
فما النتيجة؟ في تجربة عشوائية شملت 40 مريضاً، قورن فيها العلاج الحقيقي بإجراء وهمي، كان التحسن في نصف الجسم المعالَج أكبر بنحو 8 نقاط على مقياس الأعراض الحركية بعد أربعة أشهر، وهو فرق واضح إحصائياً. وقد لخّصت ذلك مراجعة نُشرت في ديسمبر 2025 في مجلة Frontiers in Neuroscience، جمعت أربع دراسات شملت 69 مريضاً.
وتلتها مراجعة أخرى في فبراير 2026 ضمّت خمس دراسات على 75 مريضاً، وشارك في كتابتها باحثون من جامعات مصرية، منها القاهرة وعين شمس والأزهر. وخلصت إلى أن التحسن شمل الأعراض الحركية عموماً، وكذلك الأنشطة اليومية وجودة الحياة. لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: التحسن ظهر في نصف الجسم المعالَج فقط، أما النصف الآخر فلم يتغير.
وماذا عن الأدوية؟ في الأشهر الأولى انخفضت جرعة أدوية باركنسون قليلاً، بمتوسط يزيد على مئة ملجم يومياً بحسب الدراسة المصرية المشاركة. غير أن دراسة أخرى نشرت في ر 2025 لاحظت أن هذا الانخفاض لم يعد واضحاً إحصائياً عند 12 شهراً، وقد يعكس ذلك تقدم المرض في الجانب الآخر من الجسم. ولم تتحسن المضاعفات الحركية (تذبذب الأثر والحركات اللاإرادية) بشكل ملحوظ. كما بقي تأثير العلاج على المشي والتوازن غير محسوم.
وماذا عن الأعراض الجانبية؟ أكثرها شيوعاً في المراجعة الأحدث: حركات لا إرادية بنحو 9% من المرضى، واضطراب في المشي بنحو 7%، وصعوبة في النطق بنحو 6%. وُصفت في الغالب بأنها خفيفة إلى متوسطة، وتحسنت مع الوقت عند معظم المرضى. أما أثناء الجلسة نفسها فكان شائعاً أن يشعر المريض بدوار، أو بألم في مواضع تثبيت الرأس، أو بإحساس بالحرارة أو الضغط في الرأس.
بعد خمس سنوات: هل يدوم الأثر؟
هذا السؤال يشغل كل مريض. وأحدث إجابة جاءت من دراسة نُشرت في أبريل 2026 في مجلة Movement Disorders. بدأ الباحثون بـ45 مريضاً، وأكمل 32 منهم خمس سنوات كاملة. في نصف الجسم المعالَج تحسنت الأعراض بنحو 54% في غياب الدواء. أما الدرجة الحركية للجسم كله فتحسنت 27% فقط. وبعد خمس سنوات لم تعد المضاعفات الحركية وجودة الحياة والأداء اليومي تختلف عن حالتها قبل العلاج، وارتفعت جرعة الأدوية من نحو 739 إلى نحو 1053 ملجم يومياً. وظهرت حركات لا إرادية خفيفة إلى متوسطة عند سبعة مرضى، ولم تُسجَّل أعراض جانبية متأخرة.
فماذا نفهم من هذا؟ أن الموجات فوق الصوتية تخفف أعراض نصف الجسم المعالَج لسنوات، لكنها لا توقف المرض نفسه. وهذا ينطبق على الطريقتين معاً، فلا يوجد علاج شافٍ للشلل الرعاش حالياً، انما تساعد هذه العلاجات في السيطرة على الأعراض.
من يناسبه DBS، ومن تناسبه الموجات؟
قد يكون DBS أنسب عندما تشمل الأعراض الجانبين، أو تتنوع بين رعاش وبطء وتيبس وتذبذب في أثر الدواء. وتذكر مراجعة تايوانية نُشرت في 2026 أن المرشح الأنسب له غالباً أصغر سناً أو في منتصف العمر، ويستجيب جيداً لدواء ليفودوبا، وقدراته الذهنية جيدة، وحالته النفسية مستقرة، ويريد مرونة في تعديل العلاج مستقبلاً.
في المقابل، قد تكون الموجات أنسب لمن يعاني رعاشاً مُعطِّلاً في جانب واحد، خاصة كبار السن، أو من لا تناسبهم جراحة مفتوحة أو تخدير، أو من يتناولون مميعات دم لا يمكن إيقافها بهدف اجراء الجراحة، أو من يرفضون زرع أي جهاز. أما عند استهداف النواة تحت المهادية تحديداً، فترى المراجعة المصرية المشاركة أن الأنسب هم أصحاب الأعراض غير المتماثلة بوضوح والمرض المبكر نسبياً.
وهناك شروط اكلينيكية يتم تحديدها حسب المريض. هل جمجمة المريض مناسبة؟ فعند بعض الأشخاص تكون كثافة الجمجمة عائقاً أمام مرور الموجات، ويُفحص ذلك قبل العلاج. وأيضا: هل يمكن إجراء الرنين المغناطيسي للمريض؟ وهل يتقبل المريض فكرة أن الأثر دائم؟ وأخيراً، ما زالت البيانات محدودة عن علاج الجانبين بالموجات، وتشير احدى الدراسات التايوانية إلى أن سلامة الاجراء لم تُدرس بما يكفي.
هل يمكن الجمع بينهما؟
هل يغلق أحد الخيارين الباب أمام الآخر؟ ليس بالضرورة. تذكر الدراسة التايوانية أن الجمع التتابعي بدأ يظهر في التقارير، كأن يُعالَج الرعاش أولاً بالموجات ثم يُلجأ إلى DBS لاحقاً عند ظهور أعراض أعقد، أو العكس، مع التنبيه إلى أن البيانات المنظمة عن ذلك ما زالت قليلة. وفي تقرير حالة نُشر عام 2026 في مجلة Movement Disorders Clinical Practice، عولج رجل في الخمسينيات من عمره بالموجات فوق الصوتية على النواة تحت المهادية، وعاد رعاشه تدريجياً فخضع لجلسة موجات أخرى على المهاد، ثم خضع لاحقاً لـ DBS في النواة نفسها، وكانت الاستجابة جيدة. لكنها حالة واحدة، ولا يصح تعميمها.
وماذا عن التكلفة؟ تشير المراجعة المصرية المشاركة إلى أن الموجات قد تكون منافسة على المدى الطويل، لأنها تتجنب الأجهزة المزروعة واستبدال البطاريات ومضاعفاتها. لكن التقنية نفسها باهظة وتتركز في مراكز متخصصة، فيتوقف الوصول إليها على توفرها وعلى ما تغطيه جهات التأمين.
الخلاصة
هل الموجات فوق الصوتية بديل لتحفيز الدماغ العميق؟ لبعض المرضى نعم، وليس للجميع. الصورة كما ترسمها الدراسات الحالية أقرب إلى خيارين متكاملين منها إلى متنافسين. DBS يمنح مرونة وتوثيقاً طويلاً وعلاجاً أشمل للأعراض المعقدة. والموجات تمنح تعافياً سريعاً وبلا أجهزة، لكنها غالباً لنصف الجسم فقط، وبأثر دائم، وتظل هذه التقنية في حاجة الى المزيد من الدراسات والأبحاث. لا ينبغي أن نغفل حدود الأدلة. فالدراسات المتاحة عن النواة تحت المهادية صغيرة في معظمها. ولا توجد حتى الآن دراسات طويلة الأمد تقارن الطريقتين وجهاً لوجه.
أما القرار الفردي، فالأجدر أن يُتخذ مع فريق متخصص في اضطرابات الحركة بعد تقييم شامل. وقبل أن تجلس معه، قد تفيدك هذه الأسئلة: هل أعراضي غالبها رعاش أم أنها متعددة؟ هل هي في جانب واحد أم في الجانبين؟ هل جمجمتي مناسبة للموجات؟ هل أتقبل أثراً لا رجعة فيه؟ وما الخطة لو عادت الأعراض؟
هذا المقال للتثقيف العام، ولا يغني عن استشارة طبيب الأعصاب المختص.
المصادر
- مؤسسة الموجات فوق الصوتية المركزة — صفحة مرض باركنسون
- Lee وLu — تحفيز الدماغ العميق والموجات فوق الصوتية في الباركنسونية (J Formos Med Assoc)
- Abbas وزملاؤه — تحليل شمولي للموجات فوق الصوتية على النواة تحت المهادية (Neurosurgical Review, 2026)
- Cheng وزملاؤه — مراجعة منهجية للموجات أحادية الجانب على النواة تحت المهادية (Frontiers in Neuroscience, 2025)
- Natera-Villalba وزملاؤه — المتابعة لخمس سنوات (Movement Disorders, 2026)
- Ichise وزملاؤه — تحفيز الدماغ العميق بعد الموجات فوق الصوتية (Movement Disorders Clinical Practice, 2026)
- Martínez-Fernández وزملاؤه — التجربة العشوائية الأصلية (NEJM, 2020)